
اليابان تواجه تغيرًا مناخيًا قاسيًا: هل أصبح الربيع والخريف مجرد ذكريات؟
بيئة- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
كارثة مناخية من صنع الإنسان
لو كانت الكاتبة ”سي شوناغون“، من حقبة هييآن، تكتب روايتها الكلاسيكية ”كتاب الوسادة“ في يومنا هذا، لما بدأتها بعبارتها المؤثرة: ”الربيع هو لحظة مطلع الفجر“. وكانت على الأرجح ستفوت فرصة الاستمتاع بالفصل بأكمله - وحتى الخريف أيضًا - إذ يتلاشى طقس الشتاء بسرعة ليحل محله حر الصيف مع اقتراب الربيع. ومع تسارع التغيرات المناخية، وحتى لو نجح العالم في السيطرة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فقد يجد نفسه وقد تقلصت فصوله الأربعة المميزة عليه إلى فصلين فقط.
لكن عواقب هذا التحول تتجاوز الجماليات بكثير، بل إنها تُحدث بالفعل تأثيرًا بشريًا مدمرًا. فقد ارتفع عدد الوفيات السنوية الناجمة عن ضربات الشمس إلى حوالي ألف حالة، أي عشرة أضعاف وفيات العواصف والفيضانات، مما يجعل موجات الحر الشديدة من أكثر الكوارث فتكًا في البلاد. والأدهى من ذلك، أن البشر هم السبب، حيث أننا نساهم في تفاقم الاحتباس الحراري بانبعاثاتنا غير المنضبطة.
شهدت السنوات القليلة الماضية درجات حرارة قياسية في اليابان. (© بيكستا)
ويكثر المشككون الذين يدّعون أن التغيرات المناخية لها أسباب طبيعية وعادية، وليست نتيجة تراكم الغازات الدفيئة كثاني أكسيد الكربون. ورغم صعوبة تحديد الصواب والخطأ، إلا أنه بنظرة ثاقبة على البيانات العلمية، نجد أنها تُشير بوضوح تام إلى أن البشر هم المسؤولون عن ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
لنأخذ، على سبيل المثال، الادعاء بأن تغيرات النشاط الشمسي هي سبب تفاقم موجات الحر. فمن المؤكد أن زيادة النشاط الشمسي تؤثر على الأرض، مسببةً شفقًا قطبيًا مذهلًا أو تعطل الاتصالات اللاسلكية، ولكن لا يوجد دليل قاطع يربط دورة نشاط الشمس التي تبلغ حوالي عشر سنوات بتغيرات الطقس. ولا تُظهر البيانات الارتفاعات والانخفاضات الدورية في درجات الحرارة القياسية التي تتوافق مع فترات الذروة والهدوء في النشاط الشمسي. بل تُظهر اتجاهًا تصاعديًا مستمرًا في درجات الحرارة القياسية بالتزامن مع تزايد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
الرياح والاحترار الشمالي
تجعل التغيرات في الظروف الجوية والمحيطية اليابان أكثر عرضة للحرارة الشديدة. ومن بين العوامل المُسببة لذلك ظاهرة تُعرف باسم ”التضخيم القطبي“، حيث يؤدي الذوبان السريع لجليد البحر القطبي، الذي يُساعد على تبريد الأرض عن طريق عكس الإشعاع الشمسي إلى الفضاء، إلى امتصاص المزيد من حرارة الشمس، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة خطوط العرض الشمالية المرتفعة أسرع من المناطق الأخرى.
ويؤدى هذا الاحترار إلى تغيير مسار الرياح الغربية الشمالية المتعرجة، وهي رياح قوية من الشرق إلى الغرب في خطوط العرض الوسطى من نصف الكرة الشمالي، تُساعد على تنظيم المناخ هناك من خلال عملها كفاصل بين هواء القطب الشمالي البارد شمالًا والهواء شبه الاستوائي الدافئ جنوبًا. وتتبع الرياح الغربية مسارًا موجيًا، مُشكلة أحواضًا منخفضة وأخرى مرتفعة على شكل أقواس. وخلال أشهر الصيف، ترتبط المرتفعات الهوائية بالطقس المُشمس والهواء الدافئ، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى موجات حر شديدة وممتدة. ويحدث هذا عندما تتطور أنظمة الضغط المرتفع أسفل هذه المرتفعات، حيث يؤدي الدوران في اتجاه عقارب الساعة إلى حصر الجبهات الهوائية الدافئة في مكانها، مما يؤدي إلى استمرار موجات الحر لفترات طويلة.
وعادةً ما يكون المسار المُتعرج للرياح الغربية خافتًا إذا كانت سرعة الرياح سريعة، ولكنه يزداد وضوحًا مع تباطؤ الرياح. وكلما زاد الفرق في درجات الحرارة بين القطبين وخط الاستواء، زادت سرعة تدفق الرياح الغربية. ومع ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي، تقلص الفارق في درجات الحرارة، ومنذ عام 2010، اشتدت الرياح الهادئة والمتعرجة عادةً إلى مستوى نادر الحدوث، مما أدى إلى ظهور تموجات عميقة تغمر اليابان بالهواء الدافئ وترفع درجات الحرارة بشكل ملحوظ.
وإذا استمرت المرتفعات الهوائية في التحرك، فإن فترات الحر الشديد تكون قصيرة الأمد. ومع ذلك، فإن التعرجات الشديدة في الرياح الغربية تؤدي إلى حدوث ظاهرة تُعرف بـ ”موجات روسبي“ (Rossby waves)، وهي أنماط موجية تتحرك غربًا نتيجة دوران الأرض، مما يعاكس التدفق الشرقي السائد للرياح. ويؤدي هذا التأثير إلى ثبات المرتفعات الهوائية في مكانها، مما ينتج عنه فترات طويلة من الحرارة الشديدة في مناطق معينة.
وبما أن الرياح الغربية متعرجة، فقد يبدو من المحتمل بنفس القدر أن يستقر منخفض جوي بارد فوق اليابان في الصيف تمامًا كما يمكن أن يحدث مع مرتفع هوائي دافئ، لكن الواقع ليس كذلك. فمع ارتفاع درجة حرارة اليابسة بشكل أسرع من مياه البحر، يتشكل هواء دافئ فوق القارة الأوراسية خلال الصيف، مما يدفع الرياح الغربية إلى الشمال بالقرب من اليابان. ويتحرك هذا الهواء الحار القاري شرقًا، ليغمر اليابان، مما يجبر الرياح الغربية على الارتفاع فوق الهواء الساخن وكأنها تحاول تجنبه. وهذا النمط الجوي يجعل اليابان عرضة لموجات الحر حتى في السنوات العادية، ولكنه الآن يدفع درجات الحرارة إلى الارتفاع بشكل متزايد مع ازدياد حدتها.
المياه الدافئة
يُعدّ المحيط أيضًا عاملًا رئيسيًا في طقس اليابان الخانق. فالاحتباس الحراري يرفع درجات حرارة سطح الأرض بمعدل ثابت، وتُعدّ المياه المحيطة باليابان من بين أكثر المناطق ارتفاعًا في درجات الحرارة. وعادةً ما يكون سطح المحيط بطيئًا في التبريد، لذا حتى مع اقتراب الخريف، تُسبّب الحرارة المُستمرة هبوب نُسيمات بحرية حارة غير موسمية، مما يُؤدي إلى أجواء رطبة على اليابسة.
خريطة من موقع الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تُظهر درجات حرارة سطح البحر العالمية في منتصف سبتمبر/ أيلول 2024. وتشير المناطق الملونة بالأصفر والأحمر والأسود، بترتيب تصاعدي، إلى المناطق التي تكون فيها درجات الحرارة أعلى من المعدل الطبيعي. (© NOAA)
ويؤثر هذا الاحترار على مسار تيار ”كوروشيو“ الذي يتدفق شمالًا على طول ساحل اليابان على المحيط الهادئ. ويشق تيار المياه الدافئة طريقه عادةً من الفلبين، مارًا بجزر ريوكيو، وكوتشي، وشبه جزيرة كي، وشيزؤكا، قبل أن ينحني شرقًا إلى المحيط المفتوح. ومع ذلك، شهدت السنوات القليلة الماضية تذبذبًا حادًا في مساره، حيث ينحني جنوبًا بالقرب من كوتشي، ثم ينحرف عائدًا ليصطدم باليابان حول شيزؤكا. قبالة ساحل تشيبا، وينحرف شمالًا، متجهًا على طول ساحل المحيط الهادئ نحو هوكايدو، قبل أن ينحني جنوبًا مرة أخرى قبالة إيواتي.
سجَّل أول ظهور لتيار كوروشيو، الذي وصل شمالًا حتى إيواتي والمياه الواقعة جنوب هوكايدو، ظاهرة غير مسبوقة، وقد تكرر حدوث ذلك لعامين متتاليين. وقد أدى دخول التيار إلى رفع درجة حرارة سطح المياه قبالة منطقة توهوكو وجنوب هوكايدو بأكثر من 5 درجات مئوية أثناء جريان تيار كوروشيو هناك. ومن المعروف أن ارتفاع درجة حرارة سطح البحر بمقدار درجتين فقط عن المعدل الطبيعي يُعدّ أمرًا غير طبيعي، لذا فإن الوضع غير طبيعي تمامًا في الوقت الحالي.
وهذه الحالة غير الطبيعية، التي أُطلق عليها ”التعرج الضخم“ للتيار، تُؤدي أيضًا إلى ارتفاع درجات الحرارة في المياه على الجانب الآخر من اليابان عبر تيار تسوشيما، وهو فرع من تيار كوروشيو الذي يتدفق عبر بحر اليابان. وتُحكم التيارات مجتمعةً قبضتها على اليابان بالمياه الدافئة، مما يرفع درجات الحرارة في الصيف ويبقيها مرتفعة حتى الخريف.
تأجيج الفيضانات
ارتفاع درجات حرارة سطح البحر هو السبب وراء ارتفاع معدلات هطول الأمطار الغزيرة، كتلك التي ضربت شبه جزيرة نوتو التي ضربها الزلزال في سبتمبر/ أيلول 2024. فمع ارتفاع درجة حرارة البحر، تنطلق كميات هائلة من بخار الماء في الغلاف الجوي، مشكّلةً غيومًا محملة بالرطوبة تُفرغ محتواها فوق اليابسة في هيئة فيضانات. وكانت الآلية نفسها وراء الفيضانات التي اجتاحت أجزاءً من إسبانيا في خريف 2024، حيث خلقت درجات الحرارة السطحية المرتفعة بشكل غير طبيعي في البحر الأبيض المتوسط ظروفًا مثالية لهطول أمطار غزيرة.
المياه تغمر الأراضي في اليابان بعد هطول أمطار غزيرة. (© بيكستا)
وكل جزء من اليابان معرض لخطر الأمطار الغزيرة ما دامت الظروف المؤاتية لنشوئها - الحرارة الشديدة الناجمة عن الاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة سطح البحر - قائمة. وبهذا المعنى، فإن وصف فيضانات شبه جزيرة نوتو بالكارثة الطبيعية هو وصف مضلل، إذ يتجاهل الدور البشري الواضح في نشأتها. والأمل الوحيد لمنع شيوع مثل هذه الكوارث هو خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
تساقط الثلوج في الشتاء
يستشهد العديد من منكري تغير المناخ بتساقط الثلوج القياسي في مجادلاتهم ضد ظاهرة الاحتباس الحراري. وتؤكد قصص العواصف الثلجية التي عطلت طرق النقل، وانهيار المنازل تحت وطأة الثلوج المتراكمة، صحة هذا المنطق، كما تؤكده حقيقة أن العواصف الثلجية تُزهق أرواحًا في اليابان أكثر من العواصف والفيضانات. ومع ذلك، فإن فصول الشتاء تزداد دفئًا بشكل عام، لا برودة، وهذا الاتجاه نحو ارتفاع درجات الحرارة هو ما يزيد من وتيرة موجات البرد وتساقط الثلوج الغزيرة.
شخص يشق طريقه عبر أكوام من الثلوج. (© بيكستا)
ومرة أخرى، السبب هو الرياح الغربية المتعرجة بشدة. فعلى عكس النمط المُلاحظ في الصيف، شهدت فصول الشتاء الأخيرة تيارات هوائية متموجة تُشكّل أحواضًا باردة واسعة فوق مساحات واسعة من أوراسيا، بما في ذلك أجزاء من اليابان وأمريكا الشمالية، مما يُمكّن هواء القطب الشمالي القارس من التحرك جنوبًا. وتنجذب هذه الكتل الباردة إلى مناطق تكون فيها درجات حرارة سطح البحر أعلى - على نحو يُشبه إلى حد ما انجذاب أقطاب المغناطيس المتقابلة - مما يجعل اليابان هدفًا مُحددًا للعواصف الثلجية الشديدة.
وكما ذكرتُ سابقًا، يُعدّ الخسارة الكبيرة للجليد البحري القطبي سببًا رئيسيًا وراء التذبذب الملحوظ للرياح الغربية. حيث ترتفع درجة حرارة الغلاف الجوي فوق ألاسكا مع ترقق الجليد البحري المحيط بها، مما يدفع الرياح الغربية إلى الانحراف شمالًا بعيدًا عن مسار سطح المحيط الدافئ. ومع ازدياد تعرج الرياح من الشمال إلى الجنوب، فإنها تقسم هواء القطب الشمالي البارد إلى قطاعات شرقية وغربية. وبمجرد انقسامها، تنتشر هذه الكتل الباردة جنوبًا لتحيط بشرق آسيا وأمريكا الشمالية.
ومع تحرك الهواء البارد نحو شرق آسيا من سيبيريا، ينقسم إلى تيارين يتمركزان حول جبل ”بايكتو“ في شبه الجزيرة الكورية، ويمرّان حول قمته قبل أن يلتقيا مجددًا فوق بحر اليابان، مشكلين ما يُعرف بمنطقة التقاء الكتل الهوائية القطبية في بحر اليابان (JPCZ). ويمتص تيار الهواء البارد الرطوبة الصادرة من التيارات البحرية الدافئة في بحر اليابان، مشكلًا سحبًا على شكل أشرطة، تُعرف أحيانًا في وسائل الإعلام باسم ”أحزمة الثلج الخطية“، والتي تُلقي بالثلوج على اليابان، وخاصة على طول ساحل بحر اليابان. ويتراكم الثلج الناتج عن هذه العواصف بسرعة، وغالبًا ما تُوصف هذه العواصف بـ ”القنابل الثلجية“ للتأكيد على ضرورة توخي الحذر منها.
الوقوف عند بوابة الجحيم
اليابان مُعرّضةٌ بالفعل للكوارث الطبيعية، وكما أوضحتُ سابقًا، سيزداد الوضع سوءًا مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب. وينبغي أن يكون تغير المناخ قضيةً رئيسيةً لكلٍّ من الحكومة والسكان في اليابان.
لكن هذا بعيد كل البعد عن الواقع. فالحقيقة هي أن شرائح واسعة من السكان لا تزال غير مبالية بمخاطر الاحتباس الحراري، وهو مصدر قلق بالغ. وفي كلمته خلال قمة طموح المناخ لعام 2023 في نيويورك، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه إزاء الظواهر الجوية المتطرفة، معلنًا أن ˮالبشرية فتحت أبواب الجحيم“. وأؤيد غوتيريش في وصفه للبشرية بأنها تقف على شفا عالم آخر، حيث لن يكون الطقس المتطرف، كدرجات حرارة الصيف البالغة 40 درجة مئوية، أمرًا مستغرب، بل سيكون هو القاعدة.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قمة طموح المناخ في 20 سبتمبر/ أيلول 2023. (© جيجي برس)
والبشرية على وشك تجاوز عدد من نقاط التحول المناخي، وهي عتبات حرجة ستؤدي إلى عواقب متسارعة، وربما لا رجعة فيها. وأعتقد أن إحدى هذه الحدود تتمثل في ارتفاع درجة حرارة سطح البحر بمقدار 1,5 درجة مئوية مقارنةً بما كانت عليه قبل 100 عام. والمحيطات هي أحواض حرارية، تمتص الكثير من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي. وبالتالي، فهي تلعب دورًا مهمًا في تهدئة حرارة الصيف وامتصاص غازات الاحتباس الحراري. ومع ذلك، فقد أصبحت أقل فعالية في هذا مع ارتفاع درجات حرارة السطح. حيث يبلغ مقدار الاحترار أكثر من 1,4 درجة مئوية حتى عام 2023، مما قد يضعنا بالفعل في نقطة اللاعودة.
وسيلعب ارتفاع درجات حرارة المحيطات، التي تغطي 70% من سطح الأرض، دورًا محوريًا في نقلنا إلى ˮعالم آخر“ يتميز بطقس قاسي. ولكن لم يفت الأوان بعد للعودة إلى الوضع الصحيح، وذلك من خلال التكاتف وبذل الجهود اللازمة لعكس ارتفاع درجات حرارة سطح البحر. وصدقوني لم يعد هناك وقت نضيعه.
(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية والترجمة من اللغة الإنكليزية. صورة الموضوع: خريطة من موقع وكالة الأرصاد الجوية اليابانية تُظهر درجات حرارة سطح البحر حول اليابان في 21 سبتمبر/ أيلول 2024. حيث تُشير المناطق الحمراء إلى المناطق التي تكون فيها درجات الحرارة أعلى من المعدل الطبيعي. © وكالة الأرصاد الجوية اليابانية.)