
رسائل متضاربة... إلى أين تتجه اليابان في قضية نزع السلاح النووي؟
سياسة- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
في أغسطس/ آب 1945، وخلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغاساكي. وحتى الآن، تُعَد أميركا هي الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية في زمن الحرب، وتظل اليابان الضحية الوحيدة لمثل هذا الهجوم.
كان ذلك قبل ما يقرب من 80 عاما. وفي العقود التي تلت ذلك، أقامت اليابان والولايات المتحدة تحالفا قويا يُوصف بأنه ”حجر الزاوية للسلام والأمن والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وخارجها“، وفقا للبيان المشترك الصادر عن رئيس الوزراء إيشيبا شيغيرو والرئيس دونالد ترامب في فبراير/ شباط الماضي. وأكد البيان أيضًا أن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن اليابان يشمل استخدام جميع قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية.
وهكذا، تجد اليابان نفسها أمام مفارقة تاريخية؛ فهي من جهة ترفع شعار ”البلد الوحيد الذي تعرض للقصف النووي“ وتدعو إلى نزع الأسلحة النووية عالميًا، ومن جهة أخرى تعتمد على المظلة النووية الأمريكية لحماية أمنها القومي.
دور اليابان المحوري في قضية نزع السلاح النووي
في عام 1967، أعلنت الحكومة اليابانية عن التزامها بسياسة عدم امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو السماح بإدخالها. واستمرت الحكومة في تبني هذه ”المبادئ الثلاثة غير النووية“، التي تحظى بدعم الغالبية العظمى من الناخبين اليابانيين. لكن التحالف بين اليابان والولايات المتحدة يضع اليابان تحت حماية الردع النووي الموسع لأمريكا، أو ”المظلة النووية الأمريكية“. بعبارة أخرى، فإن العلاقة الأمنية الثنائية بين البلدين هي في جوهرها تحالف نووي. بالتالي يكون التوفيق بين هذين الواقعين عملاً يتطلب دقة متناهية لتحقيق هذا التوازن الصعب.
وليس هناك ما يجسد معضلة اليابان خير من موقفها تجاه معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي تدعو إلى حظر شامل على تطوير واختبار وحيازة واستخدام والتهديد باستخدام الأسلحة النووية. إن معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2021، تعود أصولها جزئيًا إلى أهوال هيروشيما وناغاساكي، كما تشير الديباجة إلى ”ما تعرض له ضحايا استخدام الأسلحة النووية من معاناة وأذى غير مقبولين“. ومع ذلك، فإن الحكومة اليابانية، رغم إشادتها بمعاهدة حظر الأسلحة النووية باعتبارها ”معاهدة مهمة يمكن اعتبارها طريقاً نهائياً إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية“، إلا أنها رفضت أن تصبح طرفًا موقعًا على أساس أن تلك الاتفاقية، بدون مشاركة أي من الدول المالكة للأسلحة النووية، لا تقدم أي مسار عملي لنزع السلاح النووي.
افتُتح الاجتماع الثالث للدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية في 3 مارس/ آذار من هذا العام في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. ورغم أن الاجتماع مفتوح للمراقبين وكذلك الموقعين، إلا أن اليابان رفضت الحضور. وقد أثار هذا القرار انتقادات شديدة من عدد من جماعات المجتمع المدني في اليابان، بما في ذلك نيهون هيدانكيو (الاتحاد الياباني لمنظمات ضحايا القنبلتين الذرية والهيدروجينية)، الفائز بجائزة نوبل للسلام لعام 2024. ووصف تاناكا تيرومي، الرئيس المشارك لنيهون هيدانكيو، فشل اليابان في الحضور بأنه ليس مؤسفًا فحسب، بل ”مثير للشفقة“.
لقد أوضحت الحكومة اليابانية أنها تعتبر معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية NPT - وليس معاهدة حظر الأسلحة النووية TPNW - الأساس لأي جهود دولية تهدف إلى نزع السلاح النووي ومنع انتشاره. ولكن لماذا ترفض حتى حضور اجتماع الدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية كمراقب؟
في مؤتمر صحفي عُقد في 18 فبراير/ شباط، تناول وزير الخارجية إيوايا تاكيشي هذا السؤال. وأشار إلى أن حركة الحد من الانتشار تقوّضها الانقسامات المتزايدة بين الدول النووية التي تتمسك بمفهوم الردع، والدول غير النووية التي ترفض فكرة امتلاك السلاح النووي كسلاح للردع وتدعو إلى حظر شامل. وزعم أن اليابان، باعتبارها الضحية الوحيدة لهجوم نووي، كان لها تأثير كبير على جهود منع الانتشار، كما أكد على أن أي إشارة إلى دعم اليابان لمعاهدة حظر الأسلحة النووية من شأنها أن تجعل من الصعب على اليابان الحصول على دعم واسع النطاق لجهودها الرامية إلى الجمع بين الجانبين بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وقد بدا هذا التفسير للكثيرين مُبالغًا فيه في تقدير نفوذ اليابان.
لا شك أن العامل الرئيسي وراء قرار الحكومة كان السبب الآخر الذي ذكره إيوايا خلال مؤتمره الصحفي. وكما قال وزير الخارجية باختصار، ”إن الردع النووي الموسع لا غنى عنه لحماية أرواح وممتلكات الشعب الياباني واستقلال هذا البلد وسلامه“، وأن معاهدة حظر الأسلحة النووية ”غير متوافقة مع الردع النووي الموسع“. ومن خلال حضور اجتماع معاهدة حظر الأسلحة النووية، حتى كمراقب، فإن الحكومة ”سترسل رسالة خاطئة بشأن سياسة اليابان بشأن الردع النووي وبالتالي تخاطر بتعريض سلامها وأمنها للخطر“.
باختصار، من المستحيل تحقيق ردع موسع في ظل معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي تحظر ليس فقط استخدام الأسلحة النووية، بل وأيضاً التهديد باستخدامها وتقديم أي دعم للدول التي تنتهك هذه المحظورات. وباعتبارها مستفيدة من المظلة النووية الأمريكية، فإن اليابان ليست في وضع يسمح لها بإخبار الولايات المتحدة بأنها لا ينبغي لها أبداً، تحت أي ظرف من الظروف، استخدام الأسلحة النووية.
الشعوب ترفض سباق التسلح النووي
إن حقيقة عدم استخدام الأسلحة النووية ضد أي مجموعة سكانية أو منطقة منذ قصف هيروشيما وناغاساكي في عام 1945 أدت إلى اتفاق واسع النطاق بين العلماء على وجود نفور معياري قوي من استخدام الأسلحة النووية (على الرغم من أن الخبراء يختلفون حول ما إذا كان هذا النفور قويًا بما يكفي لاعتبار استخدام الأسلحة النووية محرمًا).
لا شك أن معيار عدم استخدام الأسلحة النووية قوي ومنتشر بشكل خاص في اليابان، ويتم التعبير عنه بوضوح في الشعار الذي يتردد كثيرًا ”لا لمأساة هيروشيما جديدة“ بالإضافة إلى النقش الموجود على النصب التذكاري لضحايا القنبلة الذرية في حديقة هيروشيما التذكارية للسلام: ”دع كل الأرواح هنا تستريح في سلام، لأننا لن نكرر الشر“. وتماشياً مع هذا المعيار، لا تتسامح الحكومة اليابانية علنًا مع استخدام الأسلحة النووية. ولكن هذا مجرد مثال على التوافق السطحي مع العادات التي تحدد الهوية، وهو ”تأثير تأسيسي“ للمعايير.
إن المعايير قد يكون لها أيضاً ”تأثير تنظيمي“ أكثر إلزاماً، حيث تقيد السلوك من خلال التهديد أو التسبب في فرض عقوبات على المخالفين. ومع ذلك، فلطالما امتنعت الحكومة اليابانية عن إضفاء أي تأثير تنظيمي صريح على قاعدة عدم استخدام الأسلحة النووية. على سبيل المثال، فيما يتعلق بقرارات نزع السلاح النووي التي تُناقش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كل عام، رفضت اليابان التصويت لصالح أي قرار يحظر استخدام الأسلحة النووية، باستثناء قرار واحد هو الإعلان الأول من نوعه، الذي تم اعتماده في عام 1961. وقد خلص بحثي الخاص إلى أن الضغط من واشنطن كان وراء تغير موقف اليابان.
تسعى معاهدة حظر الأسلحة النووية إلى فرض معايير تنظيمية قوية في شكل قانون دولي يحظر استخدام الأسلحة النووية والتجارب النووية، ويحظر علاوة على ذلك نشر أنظمة الأسلحة النووية لدول أخرى أو أي من أشكال الدعم الأخرى. ومنذ عام 1962، في ذروة الحرب الباردة، نأت الحكومة اليابانية بنفسها عن مثل هذه الجهود، وقرارها بتخطي اجتماع الدول الأطراف في مارس/ آذار يتسق مع هذا الموقف. الواقع أن هذه السياسة تقوم بالأساس على وجود الولايات المتحدة، وهو ما لا تستطيع طوكيو أن تتجاهله.
فجوة بين معايير ترامب والمعايير الدولية
ولكن هل كانت واشنطن لتعترض فعليا على حضور اليابان بصفة مراقب في اجتماع الدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية؟ بعد أن سافرت إلى الولايات المتحدة لمراقبة اجتماع مارس/ آذار (الذي لم يبدأ بعد حتى كتابة هذه السطور)، توقفت في واشنطن العاصمة، حيث أتيحت لي الفرصة لمناقشة هذه المسائل مع مسؤولين حكوميين سابقين وخبراء في مجال نزع السلاح النووي والحد من انتشاره. وقد اتفقوا جميعاً على رأي واحد وهو ألا أحد في واشنطن يهتم بالاجتماع بأي شكل من الأشكال.
وبطبيعة الحال، كان الخبراء والمسؤولون الذين التقيت بهم جميعا من العاملين في مجال نزع السلاح. ولا يمكن أن نتوقع منهم أن يتحدثوا باسم الرئيس دونالد ترامب، الذي يتفاخر بازدرائه للمعايير الدولية. والواقع أنه نظرا لميل ترامب إلى النظر إلى السياسة من خلال منظور العداء الشخصي وعقد الصفقات التي لا محصلة لها، ربما كان من الحكمة من جانب الحكومة اليابانية أن تفوّت عليه فرصة التذمر بشأن جحود اليابان للولايات المتحدة.
لكن الحقيقة أن الحضور أو عدم الحضور في مثل هذه المؤتمرات هو أقل مشاكل طوكيو في الوقت الحالي. والسؤال الأكثر خطورة هو ما إذا كانت اليابان تستطيع الاعتماد على المظلة النووية الأميركية في ظل وجود ترامب رئيساً. والسؤال الآخر هو ما الذي تستطيع اليابان أن تفعله حقا، باعتبارها الدولة الوحيدة التي عانت من هجوم نووي، لمنع اندلاع حرب نووية في المستقبل.
لا توجد إجابات بسيطة على هذه الأسئلة. ولكن إلى أن تبدأ اليابان في التعامل معها بجدية، فإن دعوتها إلى ”عالم خالٍ من الأسلحة النووية“ لا تعدو كونها مجرد شعار رنّان.
(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 5 مارس/ آذار 2025، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: هاماسومي جيرو من الاتحاد الياباني لمنظمات ضحايا القنبلتين الذرية والهيدروجينية ” نيهون هيدانكيو“ يتحدث في الاجتماع الثالث للدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية في نيويورك في 3 مارس/ آذار 2025، © كيودو)